أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

345

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وقد عني المؤلّف عناية خاصّة بدرس مبدأ العليّة ( السببيّة ) وقوانينها التي تسيطر على العالم وما تقدّمه لنا من تفسير فلسفي شامل ، كما بدّد عدّة شكوك فلسفيّة نشأت في ضوء التطوّرات العلميّة الحديثة . وإذا ما بلغ المرحلة النهائيّة من مراحل الصراع بين الماديّة والإلهيّة ( المادة أو الله ) صاغ في بلاغة وإحكام المفهوم الإلهي للعالم في ضوء القوانين الفلسفيّة وفي ضوء مختلف العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة . هذه نظرة إجماليّة للكتاب ، وإذا أردنا مزيداً من التفصيل قسّمنا الكتاب إلى ثلاثة أقسام : الأوّل وهو تمهيد مهمٌّ بين يدي البحوث ، والثاني يدور حول نظريّة المعرفة ، والثالث يتحدّث عن المفهوم الفلسفي للعالم . ففي التمهيد يستعرض صاحبنا أهمّ المذاهب الاجتماعيّة التي يقوم بينها الصراع ، فيذكر النظام الديموقراطي الرأسمالي والنظام الاشتراكي والنظام الشيوعي والنظام الإسلامي . وكلٌّ من النظامين الأوّلين يملك كياناً سياسيّاً يحميه في صراعه مع الآخر . أمّا النظام الشيوعي فلم يجرّب تجربة كاملة ، إذ عجزت قيادته عن تطبيقه فلاذت بالنظام الاشتراكي كخطوة نحوه وظلّ وجوده بالفعل فكريّاً خالصاً . وأمّا النظام الإسلامي فمرَّ بتجربة ناجحة ثمّ عصفت به العواصف بعد أن خلا من القادة المبدئيّين وظلّ فكرة أو أملًا في ذهن الأمّة الإسلاميّة . ويفصل المؤلّف نظام الديموقراطيّة الرأسماليّة التي تجعل مصالح المجتمع منوطة بمصالح الفرد ( والدولة الصالحة هي الجهاز الذي يسخّر لخدمة الفرد وحسابه . . وهذا النظام مشبعٌ بالروح الماديّة الطاغية من دون أن يبني على فلسفة ماديّة واضحة الخطوط للحياة . . ) « 1 » ، ثمّ يعرج على النظام الشيوعي وطابعه العام ( إفناء الفرد في المجتمع وجعله آلة مسخّرة لتحقيق الموازين العامّة التي يفترضها . . ) . ولا أنكر أنّ أستاذنا الصدر في استعراضه مآسي النظامين رغم حرصه الشديد على النزاهة وعلى الموضوعيّة لم يستطع أن يتخلّى عن نظّارته السوداء التي تبرز قتامة المذهبين ، ثمّ يتحدّث عن معالجة المشكلة ويرى أنّ أمام العالم سبيلين إلى دفع الخطر : أحدهما أن يبدّل الإنسان غير الإنسان وتخلق فيه طبيعة جديدة تجعله يضحّي بمصالحه الخاصّة وبمكاسب حياته الماديّة المحدودة في سبيل المجتمع ومصالحه مع إيمانه بأنّه لا قيم إلّا قيم تلك المصالح الماديّة ، وهذا السبيل هو الذي يحلم أقطاب الشيوعيّة بتحقيقه ويرون أن توكل قيادة العالم إليهم . وأمّا السبيل الثاني فهو الذي سلكه الإسلام ( فلم يبتدر إلى مبدأ الملكيّة الخاصّة ليبطله وإنما غزا المفهوم المادي عن الحياة ووضع مفهوماً جديداً وأقام على أساسه نظاماً لم يجعل فيه الفرد آلة ميكانيكيّة في الجهاز الاجتماعي ، ولا المجتمع هيئة قائمة لحساب الفرد ، بل وضع لكلٍّ منهما حقوقه وكفل للفرد كرامته المعنويّة والماديّة معاً . . ) « 2 » ، وجعله يؤمن بأنّ حياته منبثقة عن مبدأ مطلق للكمال ونصب له مقياساً خلقيّاً جديداً في كلّ خطواته وأدواره وهو رضاء الله تعالى . . فليس كلُّ ما تفرضه المصلحة الشخصيّة فهو جائز ولا كلّ ما يؤدّي إلى خسارة شخصيّة فهو حماقة . . وإنّما المقياس الخلقي الذي توزن به جميع الأفعال هو مقدار ما يحصل عليه من الرضا الإلهي ، ( فالدين يربط بين المقياس الخلقي الذي يضعه للإنسان ، حبّ الذات المتركّز في فطرته . . ) « 3 » . والخطُّ العريض في هذا النظام هو اعتبار الفرد والمجتمع معاً وتأمين الحياة الفرديّة والاجتماعيّة بشكل

--> ( 1 ) انظر المعنى في : فلسفتنا ، ط 17 : 1 ( 2 ) انظر المعنى في : فلسفتنا ، ط 42 : 1 ( 3 ) انظر المعنى في : فلسفتنا ، ط 45 : 1 .